ابن خلدون
213
تاريخ ابن خلدون
ولما وفد وجوه أهل اليمن على المأمون كان فيهم محمد زياد ولد عبد الله بن زياد بن أبي سفيان فاستعطف المأمون وضمن له حياطة اليمن من العلويين فوصله وولاه على اليمن وقدمها سنة ثلاث ومائتين وفتح تهامة اليمن وهي البلد التي على ساحل البحر الغربي واختط بها مدينة زبيد ونزلها وأصارها كرسيا لتلك المملكة وولى على الجبال مولاه جعفرا وفتح تهامة بعد حروب من العرب واشترط على عرب تهامة أن لا يركبوا الخيل واستولى على اليمن أجمع ودخلت في طاعته أعمال حضر موت والشجر وديار كندة وصار في مرتبة التبابعة وكان في صنعاء قاعدة اليمن بنو جعفر من حمير بقية الملوك التبابعة استبدوا بها مقيمين بالدعوة العباسية ولهم مع صنعاء مسحان ونجران وحرش وكان أخوهم أسعد بن يعفر ثم أخوه قد دخلوا في طاعة ابن زياد وولى بعده ابنه إبراهيم ثم ابنه زياد بن إبراهيم ثم أخوه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم وطالت مدته إلى إلى أن أسن وبلغ الثمانين وقال عمارة ملك ثمانين سنة باليمن وحضر موت والجزائر البحرية ولما بلغه قتل المتوكل وخلع المستعين واستبداد الموالى على الخلفاء مع ارتفاع اليمن ركب بالمظلة شأن سلاطين العجم المستبدين وفى أيامه خرج باليمن يحيى بن الحسين ابن القاسم الرسي ابن إبراهيم بن طباطبا بدعوة الزيدية جاء بها من السند وكان جده القاسم قد فر إلى السند بعد خروج أخيه محمد مع أبي السرايا ومهلكه كما مر فلحق القاسم بالسند وأعقب بها الحسين ثم ابنه يحيى باليمن سنة ثمان وثمانين ونزل صعدة وأظهر دعوة الزيدية وزحف إلى صنعاء فملكها من يد أسعد بن يعفر ثم استردها منه بنو أسعد ورجع إلى صعدة وكان شيعته يسمونه الامام وعقبه الآن بها وقد تقدم خبرهم وفى أيام أبى الجيش بن زياد أيضا ظهرت دعوة العبيديين باليمن فأقام بها محمد ابن الفضل بعده لاعة وجبال اليمن إلى جبال المد بحرة سنة أربعين وثلاثمائة وبقي له باليمن من السرجة إلى عدن عشرون مرحلة ومن مخلافة إلى صنعاء خمس مراحل ولما غلبه محمد بن الفضل بهذه الدعوة امتنع أصحاب الأطراف عليه مثل بنى أسعد ابن يعفر بصنعاء وسليمان بن طرف بعتر والامام الرسي بصعدة فسلك معهم طريق المهادنة ثم هلك أبو الجيش سنة احدى وسبعين وثلاثمائة بعد أن اتسعت جبايته وعظم ملكه قال ابن سعيد رأيت مبلغ جبايته وهو ألف ألف مكررة مرتين وثلاثمائة ألف وستة وستون ألفا من الدنانير العشرية ما عدا ضرابية على مراكب السند وعلى العنبر الواصل بباب المندب وعدن أبين وعلى مغائص اللؤلؤ وعلى جزيرة هلك ومن بعضها وصائف وكانت ملوك الحبشة من وراء البحر يهادونه ويخطبون مواصلته ولما مات خلف صبيا صغيرا اسمه عبد الله وقيل إبراهيم وقيل زياد وكفلته وأخته ومولاه